محمد كرد علي

256

خطط الشام

وكان الفرنج أول ما ملكوا من هذه الأرجاء الرّها وما حولها من الحصون الفراتية قبل ملكهم أنطاكية والمعرة . وظلت بيروت في أيدي المسلمين إلى سنة 503 حتى فتحها بغدوين بعد أن حاصرها حصارا شديدا وقتل من أهلها عالما كثيرا . ودام ملوك الفاطميين ينجدون الساحل والداخل بجنودهم ، ولولاهم لتيسر للفرنج اكتساح هذه الأرجاء بمجرد سير جيوشهم الجرارة ، وحالت أسوار المدن بينهم وبين ما كانوا يؤملون ، وصحت نيات القائمين بالأمر فيها ، ولا سيما في المدن الداخلية ، على الدفاع ، فكانت هجمات العدو يبددها في الغالب دفاع السكان على ضعف قواهم وتشتت أهوائهم ، وموقف المدافع أسهل من موقف المهاجم . ومن أهم الأحداث بعد دخول الفرنج أنطاكية خروج صاحبها بيمند سنة 493 إلى حصن أفامية ، فوصل الخبر إلى الدانشمند التركماني صاحب ملاطية وسيواس وعسكر قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية وأقصرا ، فقتل من عسكر الفرنج عددا عظيما ، وحصل بيمند في قبضة الأسر مع نفر من أصحابه ، ونفذت الرسل إلى نوابه في أنطاكية يلتمسون تسليمها . قال صاحب الكامل : لم يفلت أحد من الفرنج في هذه الوقعة وكانوا ثلاثمائة ألف غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا وأفلتوا مجروحين . ووصل كدفري صاحب بيت المقدس إلى عكا ، وأغار عليها فأصابه سهم فقتله ، وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري ، فلما قتل كدفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرّها إلى بيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل ، فجمع صاحبا دمشق وحمص الجموع ولقياه بالقرب من بيروت ، فسارع نحوه صاحب حمص في عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه . وفيها افتتح الفرنج حيفا على ساحل البحر وأرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها ، وفتحوا قيسارية وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وأعانهم الجنويون عليها . وكان الجنويون والبيزيون يبعثون كل سنة بمراكب إلى ثغور الشام . وأرسل عبد اللّه بن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى صاحب دمشق ، يلتمس منه إنفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه جبلة ، فانتدب ولده تاج الملوك فتسلمها ، وأساء هو وأصحابه إلى أهلها وظلموهم ، فشكوا حالهم